أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
132
شرح مقامات الحريري
[ طوفان نوح عليه السلام ] ونذكر هنا بعد ما حدث من طوفان نوح عليه السلام : ذكر أهل الأخبار أن نوحا عليه السلام أوّل نبيّ بعث ، وأنّ قومه كانوا أهل أوثان ، يعبدونها من دون اللّه ، فبعث لهم نوح فدعاهم إلى اللّه ، فكانوا يبطشون به ، ويستخفّون به ، وهو يقول : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون . فلمّا كثر استخفافهم به ، قال : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [ نوح : 26 ] ، فأوحى اللّه إليه أن اصنع الفلك فإنهم مغرقون . فأقبل على قطع الخشب وضرب الحديد وتهيئة العود بالفار وغيره ، فصنعه من خشب السّاج ، وجعل طوله ثمانين ذراعا وعرضه خمسين ذراعا ، وطوله في السماء ثلاثين ذراعا . وكان قومه في خلال صنعة السفينة يأتونه أفواجا ، يستخفّون عقله ، ويعدّون فعله من جنونه ، ويقولون له : عملت سفينة في البرّ ، فيقول لهم : سوف تعلمون . فلما اطمأنوا في الفلك فار التّنور من الهند ، وقال الشعبي رحمه اللّه من الكوفة . وفتحت أبواب السماء بماء منهمر ، وتفجّرت الأرض عيونا ، فكان بين إرسال الماء وارتفاعه أربعون يوما ، فلما بلغ الماء إليهم أووا إلى الجبال ، فكانت الجبال تستقبلهم بالحجارة ، وتغرقهم في الماء ، فماتوا غرقى ، وارتفع الفلك ، وجعل يجري في موج كالجبال ، ودار الأرض كلها في ستة أشهر وعشر ليال . ويقال : إنهم ركبوها لعشر ليال مضين من رجب ، ونزلوا يوم عاشوراء من المحرّم ، فلذلك صام الناس يوم عاشوراء ، وأتت السفينة الحرم فدارت به أسبوعا ، ولم يبق شيء الخلائق ولا من الشجر إلّا هلك ، إلا نوح ومن معه ، وإلّا عوج بن عنق - فيما يزعم أهل الكتاب - وانتهت آخرا إلى الجوديّ ، وهو جبل بالحصنين من أرض الموصل فنزلت عليه . * * * قوله : ابن جلا ، أي المشهور المعروف ، يقال للرجل إذا كان عالي الشرف واضح الأمر لا يخفى مكانه : هو ابن جلا ، أي هو الذي الأمور بنفسه ، وأوضحها ، قال سحيم ابن وثيل : [ الوافر ] أنا ابن جلا وطلّاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني « 1 » وكان صاحب غارات ، يطلع فيها من ثنيّة الجبل على قومه ؛ قال ثعلب : العمامة تلبس في الحرب وتوضع في السّلم ؛ قال ابن الأعرابيّ : يقال للسّيد : ابن جلا ، قال سيبويه رحمه اللّه : جلا فعل ماض ، كأنه يعني الذي جلا ، أي أوضح وكشف .
--> ( 1 ) البيت لسحيم بن وثيل الرياحي في الأصمعيات ص 17 ، والشعر والشعراء 2 / 647 ، والكتاب 3 / 207 ، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ص 456 ، وشرح قطر الندى ص 86 ، ولسان العرب ( ثنى ) ، ( جلا ) ، ومجالس ثعلب 1 / 212 .